الغزالي

48

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

من أكثر ذكر الموت وظلمة اللّحد كان قبره روضة من رياض الجنّة « 1 » ، ومن نسي الموت وغفل عن ذكره كان قبره حفرة من حفر النار . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما يصف أجر الشهداء وثواب السعداء الذين قتلوا في معركة حرب الكفّار ، فقالت عائشة رضي اللّه عنها : يا رسول اللّه هل ينال ثواب الشهداء من لم يمت شهيدا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « من ذكر الموت في كل يوم عشرين مرة كان له مثل أجر الشهداء ودرجتهم » « 2 » . وقال عليه الصلاة والسلام : « أكثروا من ذكر الموت فإنه يمحو الذنوب ويبرّد حب الدّنيا في القلوب » « 3 » . سئل عليه الصلاة والسلام : من أعقل الناس وأحزمهم ؟ فقال : « أعقل الناس أكثرهم للموت ذكرا ، وأحزمهم أحسنهم له استعدادا ، له شرف الدّنيا وكرامة الآخرة » « 4 » . فمن عرف الدّنيا كما ذكرناه ، وكرّر في قلبه ذكر النفس الأخير سهلت عليه أمور دنياه ، وقوي أصل شجرة الإيمان في قلبه ، وأخذ في النمو والزيادة ، ونمت فروع شجرة الإيمان عنده ، ولقي اللّه وإيمانه سالم . واللّه جلّت قدرته ، وعلت كلمته ، ينوّر بصيرة سلطان العالم ليرى الأشياء على ما هي عليه ، ويجتهد في آخرته ، ويحسن إلى عباد اللّه وبريّته ؛ فإن في رعيته ألف ألف من الخلائق إذا عدل فيهم كان الكلّ شفعاءه ، ومن شفع فيه من هؤلاء الخلائق من المؤمنين كان آمنا يوم القيامة من العذاب ، وإن ظلمهم كان الكل خصماءه ، وعاد أمره عظيم الخطر ، شديد الغرر ؛ وإذا صار الشفيع خصما أشكل الأمر .

--> ( 1 ) نحوه في كنز العمال [ جزء 15 - صفحة 843 ] رقم 42104 - ( أفضل الزهد في الدّنيا ذكر الموت وأفضل العبادة التفكر فمن أثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة ) وقال : رواه الديلمي في مسند الفردوس ، عن أنس . ( 2 ) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء [ جزء 4 - صفحة 139 ] 4 - حديث أنس وعائشة : قيل : يا رسول اللّه هل يكون الشهداء يوم القيامة غيرهم ؟ فقال : ( نعم من ذكر الموت كل يوم عشرين مرة ) لم أقف له على إسناد . وفي تذكرة الموضوعات [ جزء 1 - صفحة 1719 ] : في المختصر : قيل : يا رسول اللّه هل يكون مع الشهداء يوم القيامة غيرهم . فقال : نعم من ذكر الموت كل يوم عشرين مرة » : لم يوجد مسندا . ( 3 ) في كنز العمال [ جزء 15 - صفحة 841 ] رقم 42098 - ( أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم ) وقال : رواه ابن أبي الدنيا - عن أنس . ( 4 ) في مجمع الزوائد [ جزء 10 - صفحة 556 ] رقم 18214 - وعن ابن عمر قال : أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم عاشر عشرة فقال رجل من الأنصار : يا نبي اللّه من أكيس الناس وأحزم الناس ؟ قال : « أكثرهم ذكرا للموت وأكثرهم استعدادا للموت أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة » وقال : رواه ابن ماجة باختصار ، ورواه الطبراني في الصغير وإسناده حسن .